سيد محمد طنطاوي

257

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير : قال قتادة ، عن أبي أيوب الأزدي ، عن عبد اللَّه بن عمرو قال : لم ينزل في شأن أهل النار آية أشد من هذه الآية * ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ) * قال : فهم في مزيد من العذاب أبدا . . . « 1 » . وكعادة القرآن الكريم في الموازنة بين عاقبة الأشرار والأخيار ، جاء الحديث عن حسن عاقبة المتقين ، بعد الحديث عن سوء عاقبة الطاغين فقال - تعالى - : * ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ) * أي : للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى ربهم . . . * ( مَفازاً ) * أي : فوزا برضوانه وجنته فقوله * ( مَفازاً ) * مصدر بمعنى الفوز والظفر بالمطلوب ، وتنوينه للتعظيم . ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفوز فقال : * ( حَدائِقَ وأَعْناباً ) * أي : إن لهم في هذه الجنان التي ظفروا بها حدائق ، أي : بساتين فيها ماء وأشجار مثمرة . . . سميت بذلك تشبيها لها بحدقة العين في الهيئة ، وحصول الماء فيها . وإن لهم - كذلك - في هذه الجنان * ( أَعْناباً ) * جمع عنب ، وهو الكرم ، وخصت الأعناب بالذكر ، لأنها من أعظم الفواكه وأحبها إلى النفوس . وإن لهم - أيضا - * ( كَواعِبَ أَتْراباً ) * أي : فتيات في ريعان الشباب ، قد تقاربت أعمارهن ، وتساوين في الجمال والنضارة وحسن الهيئة . فالكواعب ، جمع كاعب ، وهي الفتاة التي وصلت إلى سن البلوغ ، وسميت بذلك لأنها في تلك السن يتكعب ثدياها ، أي : يستديران مع ارتفاع . . . والأتراب ، جمع ترب - بكسر التاء وسكون الراء - وهو المساوى لغيره في السن ، وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على الإناث . قيل : سمى من تقاربن في السن بذلك ، على سبيل التشبيه بالترائب ، أي : بالضلوع التي في الصدر في التساوي . . . وإن لهم - أيضا - * ( كَأْساً دِهاقاً ) * أي : كأسا مليئة بالخمر . يقال دهق الحوض - كجعل - وأدهقه ، إذا ملأه حتى فاض من جوانبه . * ( لا يَسْمَعُونَ فِيها ) * أي : في الجنة * ( لَغْواً ) * أي : كلاما ساقطا لا يعتد به . ولا يسمعون - أيضا - * ( كِذَّاباً ) * أي كلاما كاذبا . وقوله - سبحانه - : * ( جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً ) * بيان لمظاهر فضله ومننه على هؤلاء المتقين . . . وقوله : * ( جَزاءً ) * منصوب بفعل محذوف من لفظه ، و * ( مِنْ ) * ابتدائية .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 331 .